القطبان يتوافقان أم يتصارعان؟

 صباح علي الشاهر

  عندما إمتطى يلتسين ظهر عجلة في يوم صاف على غير العادة في موسكو، ليعلن وقوفه بوجه الإنقلاب عدّ هذا نقطة الصفر لبداية إنقلاب، لا على  الإنقلاب الذي زُعم أن الحزب الحاكم قاده ضد غورباتشوف، المعين أصلاً من قبل الحزب الحاكم، وإنما على السلطة والدولة السوفيتية .

البناء الشامخ الذي بدا للكثيرين لا يُقهر، إنهار بسرعة خارقة، وذاب كما تذوب الشمعة، لا بمواجهة حشود جرارة، وإنما بفعل حركة محدودة يقودها رجل سكير لا يصحو من سُكرة حتى يدخل في إخرى، وتغطية إعلامية مدروسة جُربت وبنجاح قلّ نظيرة، لتؤدي فيما بعد إلى إنهيار ما كان يُعرف بالإتحاد السوفيتي .

كان هذا الحدث الدراماتيكي بكل المقاييس إنعطافة حادة لم يُحسب حسابها. منذ تلك اللحظة  دخل العالم متاهات ما بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي .

لقد وضعت سياسات كبرى، عسكرية وإعلامية، ستراتيجية وتكتيكية، وفق حقيقة وجود ( قطبان) متصارعان عبر حرب باردة، يشتد أوارها أحياناً حتى لتكاد تتحوّل إلى حرب ثالثة، كما حصل في أزمة الصواريخ الروسية في كوبا. وكان إنهيار القطب الذي كان أقوى عسكرياً يستلزم إيجاد تخريجة وإن كانت مؤقته كي تسير منظومة العمل السياسي والعسكري دون تشويش، فكان أن أعلنت أمريكا نفسها منتصرة، ودشنت بكثير من الخفة عصرها الأمريكي الذي أسمته عصر القطبية الواحدة، وأعلن مفكروها بالترافق مع هذا ( نهاية التأريخ) ، هذا التأريخ الممتد بإمتداد الإنسانية رست سفينته أخيراً على الساحل الأمريكي ، لتسلم العهدة لا للأمريكي المتحظر ، وإنما للكابوي !.

رحب البعض بنهاية الحرب الباردة، بسقوط أحد القطبين . حسبوا أن الخاسر الأوحد هو النظام الذي تهاوى، لكنهم لم يفطنوا إلى أنهم سيكونوا أشد الخاسرين، حتى وإن لم يكونوا طرفاً في الصراع بين القطبين، وحتى لو لم يكونوا أداة من أدوات الحرب الباردة .

إستأسدت أمريكا التي عدّت نفسها منتصرة  على العالم، وتعقبت من كانوا حلفاء للإتحاد السوفيتي، أو من أعلنوا صداقتهم له، أو إعتمدوا على وجوده لخلق هامش لهم للمناورة ، فكان أن صفت اصدقاء السوفيت وأعداء أمريكا في آسيا وأفريقياً، وإوربا، وكان آخر من صفتهم في أوربا يوغسلافيا الإتحادية، التي كانت وللغرابة، غير متوافقة مع السوفيت وعلى علاقة حميمية مع أمريكا وأوربا، ثم صفيّت الحكومات الثورية في أمريكا الوسطى والجنوبية بإستثناء  كوبا .

أما في الجانب الآخر، فقد تحوّلت روسيا من دولة عظمى إلى دولة من العالم الثالث، لا بل من أكثر دول العالم الثالث إنعدام أمان، وفساد، وفقر، ووساخة بالمعنى الحرفي والمجازي للكلمة . تحولت محطات المترو في موسكو، تلك التي كانت الأرقى والأجمل والأنظف، تلك المتاحف المدهشة إلى مزابل، ومسكن للمتسكعين والعاطلين عن العمل ومتعاطي المخدرات. وأُذل ماريشالات الإتحاد السوفيتي وعلماؤه عبر إستهداف مقصود، وأُهينت كرامة الروس كلهم بعد أن أُُهينت كرامة دولتهم . كان هكذا هو الوضع طيلة حكم يلتسين .

قلة هم أولئك الذين أشاروا إلى خطورة هذا المنحى، مذكرين بإن إذلال المنتصرين لألمانيا ما بعد الحرب العالمية الأولى تسبب في ظهور هتلر، و النازية الألمانية، ومن ثم الحرب العالمية الثانية، اما الأغلبية الساحقة فقد كانت تحاول إرضاء السيد الأوحد، الذي بات حاكم وقاضي وشرطي الكون .

بعد أن كان الإتحاد السوفيتي يصدر الخبراء ومشيدي الجسور وبناة المصانع ، والمدربين المهرة، بات يصدّر المافيات، والعاهرات، وتجار المخدرات وغاسلي االأموال . وهذه كانت أحد النتائج العرضية لإنهيار وإذلال  دولة كانت عظمى .

هل كانت القوة العظمى التي عدّت نفسها منتصرة عظيمة حقاً؟ وقويّة للدرجة التي تستطيع لوحدها التحكم بالعالم ؟

ستجيب على هذا السؤال أحداث الحادي عشر من أيلول، وما أعقبها؟  .

لقد أصاب الحادي عشر من سبتمبر ( أيلول) كرامة أمريكا بالصميم، فأندفعت برعونة الثور الهائج لتضرب شمالاً ويميناً . لقد وجدت ضالتها أخيراً . هاي هي تصرخ كما صرخ غاليلو( وجدتها) .. الحرب على الأرهاب، تلكم هي الجملة السحرية التي ستوّحد الأمة ، وتحوّل ضعفها قوّة ..

كانت كل الدلائل تشير إلى أن أمريكا ليست بالقوّة التي يعكسها إعلامها، بات الكثيرون يتساءلون : هل كان ماو مصيباً عندما قال (الأمبريالية نمر من ورق )؟

ولقد أثبتت حرب العراق، وحرب افغانستان صحة ما قاله ماو . هاهي ذي أقوى دولة في العالم تشرب من الكأس الذي جرّعته للآخرين .

أمريكا ليست بمواجهة الصين، ولا روسيا، إنها بمواجهة طالبان، والمقاومة العراقية ، والإثنان لا يملكان صاروخاً ولا طائرة، لكنها، بكل جبروتها، وبكل الدعم الذي حازت عليه من دول وجيوش العالم، لم تستطع لا القضاء على طالبان، ولا إنهاء المقاومة العراقية . وقد كشفت هذان الحربان اللتان أرادت أمريكا عبرهما تدشين هيمنتها الكلية على العالم طبيعة قدراتها، والحجم الحقيقي لقوتها. ومقابل هذا كانت روسيا تنهض من كبوتها بقيادة عقيد الكه جي بي بوتين، فتعيد تنظيم الجيش الروسي الإتحادي، وتعيد الصناعة العسكرية إلى سابق عهدها، لا بل تجرّب من الأسلحة ما لا تستطيع أمريكا اللحاق به حتى بعد عدّة عقود، وتلم شتات دول الإتحاد السوفيتي السابق، وتستبعد النفوذ الأمريكي من  جمهوريات القوقاز، وتعيد الهيمنة على ثروتها النفطية والغازية، وتقوي صلاتها وعلاقاتها بالصين التي أصبحت حليف ثابت وحقيقي، وتشكل منطومة دول بحر قزوين ، وترفع من وتيرة تصيدها للهيمنة الأمريكة .

وإذا كانت قوّة روسيا تتصاعد فإن قوّة أمريكا وهيبتها تتضاءل، وصولاً إلى الأزمة الأقتصادية الحالية، والتي ستكون نتائجها خطيرة جداً على مستقبل أمريكا، فلحد كتابة هذه السطور أعلن 48 مصرفاً أمريكياً عملاقاً إفلاسه، كما أعلنت العديد من الشركات العملاقة أفلاسها ومن بينها فخر شركات الصناعة الحربية الأمريكية .

لم يعد بمقدور أمريكا الآن الإدعاء بإنها القطب الأوحد في العالم، ولعل أقصى ما تطمح إليه أن تكون القطب الثاني، مع روسيا الإتحادية، وحتى هذا الطموح فهو غير مضمون التحقق في قابل الأيام .

زيارة أوباما لموسكو، تعني من جملة ما تعنية إعلان وفاة مرحلة القطب الأوحد، والعودة إلى مرحلة القطبين، إلا أن الذي لم يعرف لحد الآن، هو جواب التساؤل الذي سيكون الشغل الشاغل للكتاب والمحللين الساسيين :  هل سيتصارع القطبان ، أم سيتفقان؟