العراق.... لمن ؟
صباح علي الشاهر
سؤال ليس له سوى إجابة واحدة. هكذا ينبغي أن يكون الأمر. الإجابة على مثل هذا السؤال تندرج ضمن البداهة والمسلمات، فالمُسمى عراق هو للموصوفين بكونهم عراقيين . هذا أمر لا يقبل الشك أو التاويل، ولكن هل الأمر على هذا النحو فعلاً الآن ؟ . هل العراق لي ولك وللذين تمتليء بهم مقاهي عمان ودمشق، والمشردين المبثوثين في أنحاء المعموة، المهجرين والمجتثين، والهاربين، والمُجبرين على الفرار، والمبعدين قسراً عن خدمة الوطن عبر حرمانهم من العمل في مؤسساته، أم هو لأبناء الدعوة والمجلس الإسلامي والفضيلة والحزب الأسلامي وأحزاب العملية السياسية، الذين تقاسموه أرضاً وسلطة ونفوذا؟
هل تتساوى فرصتي وفرصتك في التعيين في الوزارة التي يتحكم بها هذا الحزب أم ذاك ؟
هل يطمح أحدنا بناءاً على سجله الوظيفي، وقدمه في الخدمة وخبرته، أن يكون مثلاً أحد مستشاري السيد رئيس الوزراء، أو أحد مستشاري السيد الرئيس، ما لم يكن ليس من الحزب ذاته فقط ، وإنما من الحاشية الأقرب ؟
العراق كدوله من أقدم الدول العربية، لا يسبقه في التشكل كدولة حديثة سوى مصر، وقد تجاوز الدول التي ظهرت مع ظهوره وتفوق عليها في قوانينه وتشريعاته، بدءاً من قانون العقوبات البغدادي ووصولاً إلى الوظيف العمومي .
كان العراق من أوائل الدول في المنطقة التي إعتمدت تكافؤ الفرص في التعيين عبر إناطة أمر التعينات كلها بمؤسسة راكمت الخبره إسمها ( مجلس الخدمة العامة) . و الذين هم شيوخ اليوم من الذين عُطلوا قسراً الآن دخلوا الوظيف العمومي في كل مجالاته عبر مجلس الخدمة، وعبر المنافسة الشريفة عن طريق الإختبار التحريري والشفوي. وبدؤا السلّم كما يقولون من أوله ، وتدرجوا عبر نظام صارم للعلاوة والترفيع .
لم يكن وقتها من الممكن أن تأتي بشخص من موقعه خلف (جمبر) بيع السكائر إلى كرسي مدير عام في وزارة الثقافة مثلاً . مثلما لم يكن بالإمكان أن يصبح العريف لواء أو فريق ركن، كان هذا هو الحال حتى بعد ثورة الرابع عشر من تموز وزمن المرحومين الأخويين عبد السلام وعبد الرحمن عارف .
كان العراق رغم كل شيء، رغم مظاهر الفقر والعوز والحاجة، عراق العراقيين بحق . عراق العربي والكردي والتركماني ، عراق المسلم والمسيحي واليزيدي والصابئي .
كانت الأحزاب أيضاً تستلم الحكم، لكنها لا تحتكر مؤسسات الدوله، فمؤسسات الدولة للوطن ولإبناء الشعب . كان الحزب يكتفي بالمناصب السياسية، وهي الوزارات تحديداَ. الحزب يأتي للسلطة ثم يذهب، ليأتي غيره، أما المؤسسات فباقية وببقائها وإستمراريتها تتراكم الخبرة، وكذا الوظائف العامه التي يتدرج أصحابها في السلم الوظيفي، من أدناه إلى أعلاه، حيث يشكلون ما يعرف بالتكنوقراط الذين هم عصب التطور الأداري والخدمي في كل بلد.
تخيلوا معي، ولو لوهلة، أن السادة الموظفين الذين يحتكرون الآن كل الكراسي، قد جاءوا عن طريق مجلس الخدمة، وعن طريق المنافسه النزيهه من خلال تكافؤ الفرص، هل يمكن أن يصبح حال الإدارة لدينا مثلما هو علية الآن ؟
وهل يمكن أن تكون الوزارة الفلانية شيعية، والوزاة الأخرى سنية، والثالثة كردية؟ أم أن الوزارت كلها ستكون ممثلة للشعب كله، تضم الثروة العراقية الحقيقية، المتمثلة بالخبرات والكفاءات القادرة على النهوض بمهمة إدارة البلد ، وخدمة الناس لا التحكم بهم.
يتحدثون عن الفساد لكنهم لا يقدمون تصوراً لكيفية محاربتة. يكتفون بالكلام العائم ، الذي لا يُترجم إلى شيء ملموس على أرض الواقع . صحيح أنه لا توجد وصفة جاهزة لمكافحة فساد بهذا الحجم الذي فاق حدود التصور وتجاوز تخوم المعقول، ولكن لا يحدث الفساد لدونما سبب، أو علة أو مجموعة علل . وبوضع اليد على مجموعة العلل والمسببات يمكن إيجاد الوسائل التي يمكن أن تقلل من الفساد وصولاً إلى القضاء عليه كظاهرة .
ينطلق علاج ظاهرة الفساد من الإجابة على السؤال الذي إجابته بدهية، هذا الوطن المُسمى عراق لمن هو ؟
من هو الذي من حقه أن يُسهم بأدارته وحمايته، وتطويره ؟، لمن توكل هذه المهمة ؟
للإحزاب وممثليها، أم للشعب بإعتباره مصدر السلطات كلها؟
ما هو دور الأحزاب التي تعمل وتحكم الآن من دونما قانون أحزاب؟ هل الأحزاب الفائزة بالإنتخابات، اي إنتخابات كانت، تفوّض لتطبيق برنامجها المقترح من قبلها لخدمة الوطن، أم أن فوزها بالإنتخابات يعني إمتلاك الوطن والإستثنار بالسلطة بكل أشكالها، والتحكم بالرعية ؟
هل الأحزاب موجودة لخدمة الوطن والناس، أم الوطن والناس موجودان لخدمة االأحزاب؟ هل يجوز تقاسم الوزارات والمؤسسات بين الإحزاب على اساس طائفي وعنصري؟ الا يكون هذا الفعل سبباً مباشراً للفساد ؟
هل يمكن لأي بلد أن يتطور إذا كانت الوظيفة العمومية تأتي من خلال الإنتماء الحزبي وليس الكفاءة والخبرة؟ وهل يمكن الحد من الفساد إذا أمن المُفسد من العقاب ؟ ثم هل يحق لنا أن نشكو من الفساد أذا كنا قد شرّعناه أصلاً، وركزناه ودعمناه بالممارسة الفعلية والعملية ؟
الخطوة الأولى من خطوات محاربة الفساد تقتضي حرمان الأحزاب والوزراء والمتنفذين من حق تعيين أي موظف عمومي، وأناطة هذا الحق بمجلس الخدمة الوطنية الذي يضع معاييره العلمية والعملية لأي صنف من أصناف الوظائف، وحيث يتم إختيار المرشحين للوظائف عبر الوسائل المعهوده التي تضمن تكافؤ الفرص، والتي تفرز الأكفأ والأصلح.
يمكن القول، من دونما مواربة، أن من يعرقل عملية إحياء مجلس الخدمة العامة مُفسد ، مهما إدعى وتبجح.