مستهل وتقديم
بمناسبة الذكرى 51 لثورة 14 تموز 1958، آثرت ان أثقدم هذا المختصر المكثف عن دراسة لي قدمتها هنا في الجزائر وحاضرت بها في مناسبات تاريخية عدة، مُذكرا بها بدور العراق الكبير في اسناد ونُضرة ثورة الجزائر(1954-1962). واعرض هنا مختصرا من تلك الدراسة على موقع الكادر حصريا وبخمس حلقات، مستبقا بها نشر كتابي الموسوم [ الثورة الجزائرية بين عهدين في العراق(1954-1963)]، وهو كتاب " تحت الطبع" ، والكتاب ثمرة جهد طويل دام اكثر من 20 سنة ، وما دونته به حصيلة بحث أرشيفي واسع ، إضافة الى جملة من الحوارات العديدة مع بعض قادة الثورة الجزائرية ومجاهديها وشهودها الاحياء ممن كانوا على اطلاع وتماس مع الجهد العراقي وممن مثلوا الثورة الجزائرية في العراق أو بعثة الثورة الجزائرية من مدنيين وعسكريين درسوا في العراق . حاولت فيه رصد جملة من الحقائق المغيبة عن الجمهور الجزائري والعراقي أيضا. حقائق قد لا تطلع عليها الاجيال التي لم تعش ذلك الحدث الثوري الكبير في العراق والجزائر معا.
ويقيني الجازم ان الثورة الجزائرية لم تجد دعما فعليا وحقيقيا وكبيرا كما جاء من شعب العراق وقواه الوطنية وحتى حكوماته الملكية منها والجمهورية . إن دور العراق التاريخي في دعم الثورة الجزائرية ونصرتها والوقوف معها لازال يحتاج الكثير من الجهد والبحث واستنطاق الوثائق والذاكرة التاريخية. واذا كان الكتاب قد سجل مواقف مشرفة لجميع القوى والشخصيات والاحزاب الوطنية العراقية، وسيُعرف بأنشطتها وأدوارها المشرفة في دعم ونصرة الثورة الجزائرية سواء في العهد الملكي، انطلاقا من تاريخ تفجير ثورة نوفمبر 1954 في الجزائر الى تفجر ثورة 14 تموز 1958 في العراق.
وقد عرفت الفترة الجمهورية من البحث (1958-1963) تصاعدا في الدعم العراقي للثورة الجزائرية بعد أن تحرر العراق. وموقف العراق قل مثيله في العطاء والتضحية والنخوة تجاه الثورة الجزائرية. كثير من العراقيين التي قادتهم الظروف للعمل او الاقامة او زيارة الجزائر من جيلي سمعوا الكثير من الترحاب والاشادة والامتنان الذي ابداه المجاهدون وسائر ابناء الشعب الجزائري عن دور العراق في نصرة ثورة الاوراس. وظل هذا الامتنان مُعبر عنه في وقوف الجزائريين مع العراقيين في كل المحن التي ألمت بالعراق. وقد لمسنا الدعم المقابل للجزائريين تجاه القضية العراقية متجسدا بنبل وبمشاعر من الصعب وصفها وتدوينها بمجلدات، خاصة بعد العدوان الثلاثيني على العراق1991 ، و في سنوات الحصار على العراق (1991-2003)، حتى يمكن القول دون مبالغة ان أي رغيف خبز وصل الى العراق كان على طبعته ومذاقه ومرارته قمح من الجزائر ومعه دعاء الامهات بنصر العراق وأهله.
هذا الموقف الثابت لا نرى فيه مجرد رد دين بدين؛ إنما يُجسد خصال الاخوة الحقيقية التي تربط الجزائريين بالعراقيين؛ وخاصة خلال هذه الفترة العصيبة التي يمر بها شعبنا في العراق. وفي فترة أعاد الزمن دورة التاريخ معكوسة؛ فالعراق محتل ومقاوم وثائر، والجزائر محررة وتنتظر هذا النصر العراقي أنطلاقا من وعيها بحتمية انتصار الثورة والمقاومة الوطنية، ولا زال موقف الجزائر الرسمي والشعبي متميزا من القضية العراقية ونضال الشعب العراقي وجهاده من اجل التحرير.
ان المقالة والكتاب قبلها هذه جاءت نتيجة تساؤل ودهشة عاشها الكثير من العراقيين مثلي عندما وصلوا الى الجزائر. كانت المخيلة عندنا، وما تداوله الناس في العراق، إننا سوف نجد في الجزائر تمثالا للزعيم الخالد عبد الكريم قاسم ؟ أو نجد عنوانا لمدرسة او مؤسسة أو شارع باسمه. ولكن كل هذا لم نراه مما أثار دهشتنا واستغرابنا.
وعندما حاورنا المجاهدين وبعض القادة عن قرب وبحميمية الذكريات عندهم وامتنانهم لدور العراق الكبير للجزائر، إعترف الكثير منهم بالتقصير، وخاصة بحق الرجل الوطني العراقي الغيور عبد الكريم قاسم الذي تفانى في نصرة الجزائر وسجل سطورا من ذهب وكان سباقا في دعم الثورة الجزائرية وقادتها. وكان التبرير عن التقصير بحقه عند الاعتذار قد يكون عند البعض منا غير مفهوم أو غير مقبول لأن صورة الجنرال قاسم" كما يسميه المجاهدون" وهالته عند ذاكرة الثوار ظلت متوهجة. فلماذا النسيان له؟؟ . لقد كان سوء حظ الرجل قد لازمه فخلال فترة (1962-1965) صعد الى قيادة الحكم في الجزائر الرئيس أحمد بن بله، ولا يخفى على الجميع تأثر الرئيس أحمد بن بلة بالتوجهات الناصرية وميوله القومية وانحيازه لموقف مصر ضد قاسم.
واذا كان العراق القاسمي قد سجل موقفا تاريخيا سبق به مصر كون العراق كان البلد الاول في العالم الذي اعترف بالحكومة الجزائرية المؤقتة، واعلن الموقف العراقي قبل ان تنتهي قراءة بيان اعلان حكومة الجزائر في القاهرة. لكن القدار سجلت ايضا أن الجزائر كانت في مقدمة الدول التي اعترفت بانقلاب 8 شباط في العراق تقربا من الموقف المصري، ولهذا تم تجاهل دور الزعيم عبد الكريم قاسم ونسيانه حتى طواه النسيان فلم ينصفه مؤرخو الثورة الجزائرية حقه. ولهذا أحاول الاقتراب منه اليوم، كونه بطل من ابطال العراق، واضافة الى قيادته تفجير ثورة 14 تموز ووطنيته، فله دوره القومي أيضا في دعم ثورتي الجزائر وعمان وبعدها ثورة فلسطين.
أهدي هذا الجهد المتواضع الى روح الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم، رغم الكثير من ملاحظاتي عن نهج التسلط والفردية والدكتاتورية التي اتسمت بها مرحلة حكمه في العراق، والتي هي محصلة صراع القوى الوطنية التي أسهمت في ثورة 14 تموز، ولا يتحمل الرجل وحده المسؤولية التاريخية التي انتهت بنا الى مصائب تلك الفترة، وما بعدها، والى مانحن عليه الآن من تمزق وضياع واحتلال .
من هو الزعيم عبد الكريم قاسم:
ولد عبد الكريم قاسم في محلة المهدية في جانب الرصافة من بغداد في 21/11/1914 في حي من أحياء بغداد القديمة من عائلة فقيرة. ينحدر من أبوين عربيين. فابوه "قاسم" بن محمد بن بكر من قبيلة زبيد القحطانية وامه السيدة "كيفية" بنت حسن اليعقوبي من قبيلة بني تميم العدنانية. وهو أصغر اخوته حامد وعبد اللطيف وله شقيقتان.
وفي السابعة من عمره انتقلت عائلته الى بلدة الصويرة التابعة للواء الكوت. حيث لم يستطع والده الاستمرار في مزاولة النجارة والتكفل بأعباء الاسرة.فساءت احوالهم المالية فحاول الاستعانة بأخيه علي بن محمد بن بكر الزبيدي الذي كان ضابطا في الجيش العثماني وكان يملك مزرعة يعيش منها، فاخذ والده قاسم يزاول الزراعة.
دخل عبد الكريم قاسم المدرسة الابتدائية سنة 1924 حيث درس لفترة اربعة سنوات انتقل بعدها الى بغداد وواصل تعليمه مكملا فيها دراسته الابتدائية سنة 1927 ثم دخل الثانوية المركزيةوحصل على شهادة الدراسة الاعدادية في الفرع الادبي . عمل في التعليم الابتدائي لمدة عام 1931/1932ترك التعليم ليتوجه الى الالتحاق بالكلية العسكرية عام 1932 ويتخرج منها برتبة ملازم ثان في 15/4/1934. وفي عام 1940 دخل كلية الاركان وتخرج منها بامتياز وحصل على العديد من الدورات العسكرية ومنها دورة الضباط الاقدمين في انجلترا. حصل على رتبة زعيم ركن في2/5/1955 قاد ثورة 14 جويليه/تموز 1958 مع مجموعة من زملائه من لجنة الضباط الاحرار واصبح وزيرا للدفاع والقائد العام للقوات المسلحة ورئيسا للوزراء. ترقى الى رتبة لواء 1959 ومن ثم الى رتبة فريق ركن قبل.مقتله اثر انقلاب عسكري في 8/2/1963(1) .
عرف بتواضعه وتكتمه وانضباطه العسكري العالي . شارك في حرب فلسطين وخاض فيها معارك ضارية عرف فيها بشجاعته انتصر بها على الصهاينة في كفر قاسم وجنين. قاد ثورة 14 تموز وقضى على النظام الملكي وحرر العراق من الاحلاف الاستعمارية ودعى الى تحرير واسترجاع الثروة النفطية واعادة ضم الكويت الى العراق، كما دعم حركات التحرر الوطني والعالمي واتبع سياسة وطنية لبناء العراق بتوسيع التعليم وتوفيره لكل المواطنين وبناء المستشفيات واعادة بناء الجيش العراقي وتسليحه وادخال الصناعة وتوزيع الاراضي على الفلاحين والقيام بالاصلاح الزراعي، وكان من دعاة سياسة الحياد الايجابي بين الكتلة الشرقية والغربية.
وقف مع الثورة الجزائرية والعمانية والفلسطينية بدعم لا محدود مع الثورة الجزائرية والثورة الفلسطينية
العراق والثورة الجزائرية بين عهدين:
مدخل عام:
رغم ان كثيرا من مؤرخي الثورة الجزائرية يعطون وينصفون للعراق دورا داعما وهاما للثورة الجزائرية، لكن ذلك تبقى في اطار عام و كحقيقة عامة قد تبدو معممة ومن غير تفاصيل منصفة للحكومات العراقية المتعاقبة خلال العهدين الملكي والجمهوري اثناء فترة اندلاع ثورة نوفمبر المباركة بين( 1954-1962)، فترة انفجار الثورة الجزائرية المسلحة. فما بين العهدين الملكي( سقط بثورة شعبية يوم 14 جويليه/تموز1958) وما بعده في العهد الجمهوري، خلال فترة حكم عبد الكريم قاسم، ثمة فرق كبير في الموقف العراقي من ثورة الجزائر،ولا يمكن المقارنة بينهما باي شكل من الاشكال. الا ان الثابت والمهم هنا في هذا المجال ان القوى الوطنية والشعبية العراقية بكل توجهاتها السياسية والايديولوجية اتسمت بثبات مواقفها من نضال العرب من اجل التحرر والاستقلال وظلت وفية لهذا الموقف سواء ازاء القضية الفلسطينية او في دعم الثورة الجزائرية والعمانية.
منذ السنوات التي سبقت الاعلان عن ثورة نوفمبر 1954 ارتأت جمعية العلماء المسلمين ان توسع نشاطها التعليمي خارج معهد بن باديس في قسنطينة بارسال البعثات من طلبتها الى الخارج. زاد عدد الطلبة المرسلين من قبل الجمعية زيادة مطردة سنة 1954 الى مصر والكويت والعراق وسوريا اضافة الى تونس. كان العراق في مقدمة الدول العربية التي رحبت بالبعثات الجزائرية موفر امكانية القبول للطلبة الجزائريين والتعليم والدراسة في المدارس والمعاهد والجامعات العراقية. نقرأ في البصائر العدد 283 السنة السابعة اسماء بعثة جمعية العلماء المسلمين الى العراق الذين قبلوا للدراسة في الكليات العراقية، وخاصة دار المعلمين العالية ببغداد في عدد من التخصصات ، منهم الطلبة مسعود محمد العباسي، المولود شرحبيل، رابح منصر، ابو العيد دودو، الزرق موساوي، بشير كلشا، عبد المجيد بوذراع، الجموع المشري، الاخضر بو الطمين، عبد العزيز خليفة، وعبد القادر قريصات.(2).
منذ اللحظات الاولى لانطلاق ثورة الجزائر ربط العراقيون بين كفاحهم الوطني من اجل اسقاط العهد الملكي وطرد بريطانيا من العراق والنضال القومي من اجل تحرير فلسطين واستعادة الجزائر لاستقلالها، وعبروا بوضوح عن رفضهم للظلم الاستعماري اينما كان من وطننا العربي، لذلك احتلت القضية الجزائرية وثورتها صلب اهتمام النضال الوطني العراقي ، فالجماهير التي اكتوت بقمع السلطات الملكية المؤتمرة والمسيرة من قبل رجال الادارة الانجليزية وعملائها ربطت بين نضالها من اجل اسقاط الملكية واقامة النظام الجمهوري الديمقراطي في العراق مع واجباتها للوقوف مع الشعب الجزائري والفلسطيني.
ووجدت جميع القوى الوطنية العراقية الممثلة في عدد من الاحزاب والمنظمات والنقابات والاتحادات في الثورة الجزائرية في فعالياتها في هذا المجال تعبيرا عن وجدانها وطموحها هي ايضا لطرد المحتل والاستعمار الممثل في نفوذ بريطانيا وحليفاتها فرنسا والولايات المتحدة من العراق ورفض التدخل الاجنبي في تسيير الدولة العراقية وفق اهواء ورغبات السياسة الاستعمارية البريطانية من خلف حكومات عراقية عميلة مرتبطة باكثر من صيغة واتفاقية مع الغرب الاستعماري ، مكبلة العراق بعدد من الاتفاقيات والمعاهدات السياسية والاقتصادية والعسكرية غير المتكافئة لصالح بريطانيا ومن خلفها الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا، من خلال انضمام العراق الى حلف المعاهدة المركزية " حلف بغداد"، ذلك الحلف الذي كانت تقوده الولايات المتحدة واستخدامه كحاجز دفاعي لنفوذها في جنوب غربي اسيا ضد النفوذ السوفيتي.ففي 14/10/1951 اصدرت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بيانا مشتركا حول قيادة الشرق الاوسط دعت فيه حكومات الدول العربية واسرائيل وجنوب افريقيا واستراليا ونيوزيلاند للاشتراك فيه على ان يكون مقر القيادة في مصر، وان تضع الدول المذكورة قواتها المسلحة وقواعدها العسكرية المختلفة وموانئها وطرق مواصلاتها تحت تصرف القائد العام للمنطقة. وفي 10/11/ 1951 اعلنت الدول الاستعمارية الثلاث مرة اخرى تصريحا توضيحيا حول المشروع: (ان الدفاع عن الشرق الاوسط أمر حيوي للعالم الحر ، وان تشكيل هذه القيادة من شأنه ان يجلب التقدم الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة).(3).
وقد قوبل هذا المشروع، " مشروع قيادة الشرق الاوسط" بمقاومة عنيفة من الشعب العربي في اقطاره المختلفة مشرقا ومغربا، لاسباب عدة من اهمها : أنه سيجعل من الوطن العربي مركزا للقوات الامريكية والفرنسية والبريطانية، والعمل على إشراك اسرائيل في القيادة والاعتراف بها كواقع لا بد منه).
وفي العراق تصاعد النضال الوطني الشعبي ضد المشاريع الاستعمارية والدعوة الى تشكيل جبهة وطنية ضد الاستعمار ومشاريعه، في حين ذهبت الحكومات الملكية العراقية في خدمة المصالح الاستعمارية، ووجدت في نوري السعيد الشخصية المحورية التي تحقق التنفيذ لمشاريع بريطانيا والغرب في العراق والمنطقة العربية.